
الفصل العشرون
—————– أشرقت شمس يوم الجمعة تتسلل بأشعتها الذهبية بين النوافذ والجدران مقتحمةً الابواب المغلقة لترى ما لا نستطيع أن نراه ثم تنسحب بهدوء بعد أن قد حملت بين طياتها الكثير والكثير ولكنها لن تفشى الاسرار فهى ليست من بنى البشر ..
فتح فارس عينيه قليلاً ووضع يديه عليها ليحميها من أشعة الشمس …
فلقد غفى قليلاً على مقعده فى الشرفة المطلة على البحر ..نظر حوله وهو يدعو الله أن يكون ما حدث ليلة الامس كان حلماً مفزعاً فقط
ولكن وضعه وغفوته أنبأته أنه كان حقيقةً بائسةً فلما نظلم الاحلام معنا دائماً ..
أعتدل وهو يشعر بألم فى كل خلجة من خلجاته مسح على رقبته التى شعر بها تؤلمه بشدة من اثر غفوته تلك نظر للداخل دون أن يتحرك لم يجد لها اثر وباب غرفة النوم مغلق فعلم انها مازالت نائمة أو أنها تهرب من مواجهته مرة أخرى..
نهض متثاقلاً وبصعوبة توجه إلى الحمام وتوضأ خرج من الحمام لتقع عينيه على حقيبته التى مازالت أمام باب الشقة ..
شرد ذهنه وهو يتذكر ليلة أمس عندما طلبت منه أن يحمل حقيبتها للداخل ففعل ثم تذكر جرأتها الشديدة فهى التى تقدمت إليه
حتى أنها لم تدعه يتوضأ ليصلى بها ركعتين فى بداية حياتهما الزوجيه ولم تنتظره حتى يُدخل حقيبته هو الاخر ليبدل ملابسه…
تملكه شعور الدهشه والاستغراب وهو يتذكر افعالها ..كيف تكون مرت بما مرت به وتفعل هذا دون خوف مما ينتظرها ..
كان من الاولى أن تمتنع وتطلب منه أن يمنحها بعض الوقت ..إن كانت كاذبه كانت ستفعل ذلك وإن كانت صادقه فيما قالت أيضا كانت ستفعل ذلك ثم تُخبره بالحقيقة وبما حدث لها دون إرادتها ..فهى تعلم أخلاقه وأنه لن يظلمها …
أم كانت تتصور لانه عديم الخبره أنه لن يكتشف الامر وستستطيع أن تنهى الموقف لصالحها ودون أن ينتبه …
دارت كل تلك التساؤلات فى عقله وقلبه فى لحظة واحدة وهو مازال مصوب عينيه لحقيبته القابعه مكانها من ليلة أمس..
هز رأسه بقوة ينفض عنه كل تلك الافكار التى مازالت به لا تفارقه لحظة واحدة لتشعل النار بقلبه من جديد …
عاد إلى الحمام ليتوضأ مرة اخرى ليطفأ ما نشب فى صدره من غل وكره وشعور قوى بالانتقام
وما تبعه من وسوسة الشيطان بأن يثأر لشـ,ـرفه ويقـ,ـتلها لتهدأ رجولته قليلاً لما فعلته به ..
توضأ وعاد وقطرات المياه تتساقط من يديه وخصلات شعره التى تناثرت على جبينه …أخذ حقيبته ووضعها على الاريكة
وأخرج منها جلباب الصلاة ..أرتداه فى سرعة وأخذ هاتفه ومفاتيحه وخرج ليلحق بصلاة الجمعة…
أنتهى من صلاته وتناول مصحف من مصاحف التفسير الميسر المرصوصة جنباً إلى جنب على أحد الأرفف
وقبع بالمسجد يقرأ فى كتاب الله لعله يجد المرشد له فيما وقع فيه وهو يشعر أن سنوات عمره مضت هباءاً منثورا مع تلك المرأة التى أحبها وخانته ولكن مع الاسف ليس لديه دليلاً على خيانتها
ويخاف أن تكون تعرضت فعلا للإغت..صاب فيكون بذلك قد ظلمها وحاكمها بما ليس لها فيه شىء..
.ووسط مشاعره المتلاطمة وقعت عيناه على الاية الكريمة فى سورة النور :
– ( وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ )
لا يعلم لماذا شعر أنها رسالة من الله عزوجل إليه يلهمه فيها بالصواب ويرشده إلى الطريق ..
جرى بعينيه على سطور التفسير فى عجلة حتى وجدها.. لقد نزلت الآية الكريمة فى الصحابى الجليل ابو بكر !!! نعم نزلت فى هذا الرجل المعطاء الذى كان ينفق على الكثير من الناس ..
حدق فارس فى التفسير جيداً يحاول فهم سبب النزول فعلم ان رجلاً كان ممن ينفق عليهم أبى بكر الصديق يدعى مسطح ..
تكلم فى عرض أبنته عائشة رضى الله عنها فغضب ابى بكر وقرر قطع ما كان ينفقه على هذا الرجل جزاء بما تكلم به من كذب وبهتان فى عرض أبنته ..فنزلت هذه الاية الكريمة فعفا عنه أبى بكر رضى الله عنه و قال والله أنى أحب أن يغفر الله لى ويعفوا عنى
وأعاد ما كان ينفقه عليه مرة أخرى…
أغمض فارس عينيه بقوة يحاول السيطرة على مشاعره المكلومة وقلبه المذبوح حاول أن يرتقى بنفسه وبصبره إلى اقصى درجة ..
وتذكر وقتها ايام خطبته بدنيا وتذكر أنه علم الحلال والحرام ورغم ذلك استمرا في الحرام سنه كاملة
وظل يغضب ربه من أجلها فجعلها الله عزوجل هى من تشق قلبه وتذبحه فكانت هذه النهاية الحتمية ..
إذن فهو أحد المسؤلين عن ما يحدث له معها اليوم فلماذا يحاسبها وحدها لماذا لا يعاقب نفسه ايضاً
وهل سيختار عقاباً رادعاً لنفسه أكثر منها ؟!! ….
خرج من المسجد وقد حسم أمره تماماً وأتضحت الرؤية أمام عينيه وأتخذ قراراً نهائياً بشأنها ..
عبر الطريق ووقف ينظر لمياه البحر فى شرود ..شرد ذهنه بعيداً تماماً عن دنيا..
فوجد نفسه كالمسحور يخرج هاتفه ويتصل بوالدته التى تعجبت واصابتها الدهشة عندما سمعت صوته فى الطرف الاخر وهو يقول :
– السلام عليكم أزيك يا ماما عامله ايه
ردت باستغراب:
– الحمد لله يابنى أنا كويسه ..أنت أزيك ؟!!
هز رأسه وكأنها تراه وهو يقول بشرود :
– الحمد لله
صمت وصمتت قليلاً ثم قالت على أستحياء: