
حكايات الكاتبة ملك إبراهيم البيت كله كان سواد في سواد، والهوا نفسه تقيل: “الستاير متسدلة والأنوار ضعيفة وصوت القرآن طالع من الصوان اللي قدام البيت والرجالة قاعدين في صمت والستات جوه بيواسوا بعض بصوت واطي مليان شفقة”. أما كارما فكانت قاعدة لوحدها في أوضة الضيوف، منعزلة عن الدوشة كلها كأنها في عالم تاني: “لابسة الأسود من فوق لتحت وشعرها متلموم تحت طرحتها وضامة ركبها لحضنها كأنها بتحمي نفسها من الوجع وعينيها ثابتة في نقطة على الحيطة، عينين فاضية ومجروحة كأنها مش شايفة حاجة”.
بقالها تلات أيام وهي عايشة بجسمها بس، جسم بيتنفس بالعافية: “أما روحها فكانت لسه واقفة في آخر مكان شافت فيه عادل، متعلقة هناك ومش راضية ترجع”. من يوم ما قالولها إن جوزها مـ,ـات وهي حاسة إن نصها اتدفـ,ـن معاه، نصها التاني بارد ومش حاسس: “مسكت المخدة اللي كان عادل بيحب ينام عليها وضمتها لصدرها بكل قوتها كأنها بتحضنه هو وقالت بصوت مبحوح ومتقطع من كتر العياط: يعني خلاص كده؟… سيبتني لوحدي يا عادل؟”. نزلت دمعة سخنة على خدها، دمعة حارقة من قلب موجوع: “إنت وعدتني إنك هترجعلي… ليه ما رجعتش؟”.
سكتت لحظات، صدرها بيطلع وينزل بسرعة وهي بتحاول تكتم شهقة كبيرة: “أنا ماليش غيرك…” وبره كان منصور واقف في الحوش، واقف شامخ بس جواه مهدود: “كان لابس جلابيته السودة ووشه باين عليه الإرهاق وعنيه حمرا من قلة النوم والسهر، بقاله تلات أيام ما نامش نوم حقيقي، بس رغم تعبه كان واقف وسط الرجالة زي الجبل”. منصور أبو الدهب، كبير العيلة، الراجل اللي بعد مـ,ـوت أخوه الأكبر بقى هو المسؤول عن البيت والأرض والرجالة وكل كلمة بتطلع من العيلة: “بس جواه كان فيه وجع تاني، وجع ممزوج بغضب مرير ومكتوم”.
كان مقتنع إن عادل ماكنش لازم يسافر أمريكا أصلاً، الفكرة دي بتاكله كل يوم: “ومن يوم ما شاف كارما لأول مرة حطها في دماغه في خانة واحدة: البنت اللي أخدت أخوه بعيد عن أهله”. قال بينه وبين نفسه وهو بيبص ناحية أوضة الضيوف بنظرة قاسية بتحاول تخبي الوجع: “هي اللي خلته يسافر ويبعد عننا… ومن يوم ما دخلت حياته وهو مش عادل اللي أعرفه”. سكت شوية، وبعدين قبض إيده بغضب مكتوم بيوجعه هو نفسه: “جتله داهية… وجعت قلبه، وفي الآخر مـ,ـات بعيد عن بيته”.
لكن منصور رغم قسوته ماكانش يعرف إن الحقيقة مختلفة، الحقيقة اللي لو عرفها كانت هتكسر قسوته: “ماكانش يعرف إن عادل هو اللي اختار السفر وإن كارما كانت أكتر واحدة حاولت تقنعه يرجع بدموعها وكلامها”. وماكانش يعرف إن عادل قبل موته بشهور كان محول جزء كبير من فلوسه لكارما عشان تقدر تبدأ حياة جديدة لو حصل له أي حاجة، كان بيأمنها لأنه بيحبها: “ولا كان يعرف إن نصيب عادل في أرض العيلة كان حق قانوني ليه وإن بعد وفاته كارما بقت من أصحاب الحق فيه باعتبارها زوجته”.
لكن منصور كان شايف الأرض إرث العيلة ومش مستعد يسمح لحد ياخد منها حاجة، خصوصاً واحدة جاية من برّه: “عدت أيام العزا تلات أيام كاملة ومنصور ما دخلش على كارما وماقالهاش حتى البقية في حياتك، كان متعمد يبعد”. مش لأنه مش حاسس بوجعها، لكن لأنه كان غاضب منها أكتر ما كان قادر يعترف، غضب بيغطي على حيرته: “وتالت يوم بالليل بعد ما الناس مشيت والبيت هدي نده على أخته فاطمة بصوت واطي وآمر: فاطمة”. جت بسرعة وهي قلقانة من نبرته: “أيوه يا منصور؟”.
قال من غير ما يبص لها وعينه بتهرب من المواجهة: “ادخلي للبنت… شوفيها عايزة كام فلوس وخليها تمشي”. فاطمة بصتله باستغراب وقلبها اتقبض: “تمشي؟”. رفع عينه لها بنظرة حادة: “أيوه. تاخد حقها في الفلوس اللي كانت تخص عادل وتمشي. الأرض هتفضل في العيلة”. فاطمة اتوترت وحست إن الكلام ده بدري وقاسي: “بس يا منصور… دي لسه مرات أخوك. والراجل لسه متدفـ,ـن من كام يوم”. رد بحدة وبيحاول يداري ارتباكه: “أنا عارف”. قالت بترجي: “طيب ما تستناش شوية؟”.
بص لها بحدة أكبر وصوته علي: “أنا قلت اللي عندي”. فاطمة سكتت بخوف وبعد لحظة قالت بشجاعة: “إنت زعلان منها”. منصور ضحك ضحكة قصيرة من غير فرحة، ضحكة مرة: “أنا زعلان من أخويا اللي مـ,ـات ومن الدنيا اللي أخدته مني… مش ناقصني كلام”. فاطمة بصتله بحزن حقيقي: “كارما مالهاش ذنب”. منصور سكت، الكلمة لمسته في حتة واجعة جواه لكنه رفض يعترف: “ادخلي”. دخلت فاطمة أوضة الضيوف، لقت الجو كله حزن ساكن: “كانت كارما قاعدة زي ما هي، رفعت عينيها لما فاطمة قربت منها، عينين مليانين دموع محبوسة”.
فاطمة قعدت جنبها ومسكت إيدها بحنية: “كارما…” كارما بصتلها من غير كلام، نظرة بتسأل إيه تاني هيوجعني: “قالت فاطمة بحذر وصوتها واطي كأنها بتعتذر مقدما: أنا مش عايزة أضايقك والله… بس منصور عايز يعرف إنتِ محتاجة كام من حق عادل عشان تاخديه وتمشي”. كارما فضلت ساكتة ثواني، الصدمة خلت الدم يتجمد في عروقها: “وبعدين قالت بصوت مصدوم ومجروح: أمشي؟”. فاطمة هزت راسها بحرج وعينيها في الأرض: “أيوه”. ضحكت كارما ضحكة صغيرة مكسورة، ضحكة توجع أكتر من العياط: “يعني أنا لسه جوزي مدفون من تلات أيام وإنتوا بتتكلموا عن فلوس وخروجي من البيت؟”.
حاولت فاطمة تبرر بتوتر: “منصور…” قاطعتها كارما بسرعة وصوتها بدأ يترعش: “أنا مش زعلانة منك”. وبعدين عينيها لمعت بالدموع اللي خلاص مش قادرة تحبسها: “بس قولي له حاجة واحدة”. قالت فاطمة بلهفة: “إيه؟”. وقفت كارما مرة واحدة، كرامتها نفضتها من مكانها: “أنا مش جاية أشحت منكم”. خرجت من الأوضة قبل ما فاطمة تلحق ترد، خرجت وهي حافية ومش واخدة بالها من نفسها من شدة القهر: “دخلت الحوش وكانت حافية ومش واخدة بالها من نفسها من شدة القهر، منصور أول ما شافها اتفاجئ وقام واقف بحدة: إنتِ إيه اللي مطلعك هنا؟!”.
كارما وقفت قدامه، كانت بتترعش مش منه بس من وجعها اللي فاض بيها: “إنت اللي طلبتني مش كده؟”. قال بعناد: “أنا طلبت أختي تكلمك”. قالت بإصرار ودموعها على طرف عينها: “وأنا عايزة أتكلم معاك إنت”. الرجالة اللي كانوا لسه موجودين بصوا لبعض بتوتر وفاطمة وقفت مكانها وهي حاسة إن مصيبة هتحصل: “منصور قال بحدة وبيحاول يسيطر على الموقف: ادخلي جوا”. كارما هزت راسها بعناد ووجع: “مش هدخل”. عنيه ضاقت وصوته بقى أخشن: “كارما”. قالت بانفجار وكرامة مجروحة: “إنت مين عشان تسعرني بفلوس؟”.
الجملة خلت الحوش كله يسكت، سكوت تقيل ومحرج: “منصور قرب منها خطوة وعروقه باينة من الغضب: احترمي نفسك”. قالت والدموع نازلة على خدها بغزارة وصوتها بيرتعش من القهر: “أنا محترمة نفسي أكتر من أي حد هنا. بس إنتوا اللي أهانتوني”. قال وهو بيحاول ينكر: “أنا ما أهنتكيش”. ضحكت بوجع مرير: “إنت لسه من شوية بتبعتلي حد يقول لي خدي فلوسك وامشي”. سكت منصور ومالقاش رد، فكملت وهي بتبص له بعتاب كبير: “فاكرني اتجوزت عادل عشان فلوسه؟”.
قال بسرعة: “أنا ما قلتش كده”. قالت وهي كاشفة اللي جواه: “بس ده اللي فاكره”. وسكتت لحظة تاخد نفسها: “عادل كان بيحوش فلوسه عشاننا. وفي فترات كتير كان بياخد مصروفه مني”. منصور بص لها باستغراب حقيقي: “منك؟”. هزت راسها بتأكيد ووجع: “أيوه. أنا كنت بشتغل وكنت بصرف عليه لما كان محتاج. وعمره ما حسسني إني أقل منه ولا عمره حسسني إن الفلوس أهم مننا”. عيني منصور اهتزت لأول مرة، صورة كارما في دماغه بدأت تتهز: “لكن الغضب غلبه وقال وهو بيحاول يرجع هيبته: إنتِ عارفة إنتِ بتكلمي مين؟”.
كارما بصت في عينيه مباشرة من غير خوف، نظرة مليانة دموع وكرامة: “عارفة”. نزلت دمعة سخنة: “بكلم واحد ظلمني قبل ما يعرفني”. صوتها انكسر تماما: “وده أوجعني أكتر من إنك تطلب مني أمشي”. منصور سكت، الكلمة دخلت جواه بشكل ماكانش مستعد له، كلمة رشقت في قلبه: “ولأول مرة حس إنه يمكن يكون ظلمها فعلًا، لكنه قال بصرامة بيحاول يداري تأثره: اطلعي أوضتك دلوقتي”. كارما مسحت دموعها بظهر إيدها بعناد طفولي موجوع: “مش عشان إنت كبير العيلة يبقى من حقك تكسرني”.
ولفت ومشيت بخطوات تقيلة وموجوعة: “منصور فضل واقف مكانه وأول مرة من سنين كلمة واحدة من ست فضلت ترن في دماغه طول الليل: ظلمتني قبل ما تعرفني”. تاني يوم كارما صحيت متأخرة، كانت مرهقة وتقيلة: “كانت مرهقة جسمها كله تقيل من العياط وقلة النوم ودخلت المطبخ لقت التلاجة مليانة وفتحتها وطلعت بيضة بيد مرتعشة”. وكان منصور قاعد على الترابيزة بيشرب شاي وبيراجع حسابات الأرض، أول ما شافها اتضايق: “رفع عينه لما شافها واتضايق وقال بنبرة حادة: إنتِ بتعملي إيه هنا؟”.
